جلسات تدبرية (3) – سورة الإخلاص

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد،وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين،وبعد..

 فإن القرآن الكريم كتاب هداية وبيان وشفاء ورحمة قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ﴾ [الإسراء: 82]  وهذه سور الإخلاص كلها شفاء ورحمة للمؤمنين،قال تعالى:﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾[الإخلاص1-4] والسورة تقرر كمال التوحيد العلمي الاعتقادي، وإثبات الأحدية لله، المستلزمة نفي كل شركة عنه، وإثبات الصمدية المستلزمة لإثبات كل كمال له مع كون الخلائق تصمد إليه في حوائجها، أي: تقصده الخليقة، وتتوجه إليه، علويها وسفليها، ونفي الوالد والولد، والكفء عنه المتضمن لنفي الأصل، والفرع والنظير، والمماثل مما اختصت به وصارت تعدل ثلث القرآن، ففي اسمه الصمد إثبات كل الكمال، وفي نفي الكفء التنزيه عن الشبيه والمثال. وفي الأحد نفي كل شريك لذي الجلال، وهذه الأصول الثلاثة هي مجامع التوحيد. 

والتوحيد هو: تجريد الذات الإلهية عن كل ما يتصور في الأفهام، ويتخيل في الأوهام والأذهان، وهو: ثلاثة أشياء معرفة الله تعالى بالربوبية،والإقرار بالوحدانية،ونفي الأنداد عنه جملة. 

فهو يعني: تنزيه الله عز وجل عن الحدث. فهو: الإقرار والاعتراف النابع من يقين بأحدية الله تبارك وتعالى ووحدانيته وتفرده سبحانه في كل ما هو مختص به من الألوهية والربوبية والأسماء والصفات والإقرار بانتفاء أضدادها ومنافياتها عنه جل شأنه. فهو يعني:إفراد الله سبحانه بالألوهية وعدم إشراك أحد من خلقه معه في خاصية واحدة من خصائصها … وأولى خصائص الألوهية الحاكمية المطلقة الذي ينشأ عنه حق التشريع للعباد، وحق وضع المناهج لحياتهم ، وحق وضع القيم التي تقوم عليه هذه الحياة، فشهادة أن لا إله إلا الله لا تقوم ولا تتحقق إلا بالاعتراف بأن لله وحده الحق في وضع المنهج الذي تجري عليه الحياة البشرية.. وشهادة أن محمداً رسول الله معناها القريب: التصديق بأن هذا المنهج الذي بلغه لنا من الله هو حقاً منهج الله للحياة البشرية وهو وحده المنهج الذي ملزمون بتحقيقه في حياتنا وفي حياة البشر جميعاً. إذاً  التوحيد هو: إفراد الله سبحانه والإقرار بوحدانيته وأحديته في ذاته وصفاته وأفعاله وربوبيته وألوهيته والانقياد والاستسلام التام لوحيه وشريعته.

وهذا ما تقوم عليه كلمة التوحيد،فهي الكلمة التي قامت بها الأرض والسماوات، وفطر الله عليها جميع المخلوقات، وعليها أسست الملة ونصبت القبلة، وجردت سيوف الجهاد،وهي محض حق الله على جميع العباد،وهي الكلمة العاصمة للدم والمال والذرية في هذه الدار،والمنجية من عذاب القبر وعذاب النار، وهي المنشور الذي لا يدخل الجنة إلا به، والحبل الذي لا يصل إلى الله من لم يتعلق بسببه، وهي كلمة الإسلام، ومفتاح دار السلام، وبها انقسم الناس إلى شقي وسعيد، ومقبول وطريد، وكلمة التوحيد تعني اعتراف العبد بوحدانية الله و حاكميته وهيمنته على الكون والحياة،فهو وحده له الخلق والأمر،ومفهوم شهادة وأن محمداً رسول الله أي المبلغ عن الله وحيه والمتحقق به قولاً وسلوكاً ودعوةً،ونحن ملزمون بتحقيقه في الكون والحياة لتحقيق مقومات الاستخلاف والعمران والنجاة يوم القيامة. 

والتوحيد يعتبر حجر الزاوية في كافة الرسالات السماوية فهو دعامتها الكبرى وعمودها الأعظم وعليه يقوم الدين،فما من نبي بعثه الله إلا وكان التوحيد أساس دعوته ، يقول تبارك وتعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: 36]. وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 25] والآيات تدل على أن التوحيد : أرسل الله سبحانه جميع رسله، ولأجله خلقت السماوات والأرض والجنة والنار، فالتوحيد هو المبدأ والمنتهى وبه تحدد غاية الإنسان ودوره ورسالته وعليه مدار القبول والنجاة في الدنيا والآخرة. 

وبهذا فإن التوحيد يعتبر من أهم القضايا القرآنية المحورية فهو متصل بكل آيات القرآن ؛بل هو أول مقصدها وقيمها العليا وأساس الدين ومفتاحه،وهو الذي يعطي للأمة هويتها،وقد فطن العلماء إلى محورية التوحيد فجعلوه من المقاصد الأصيلة للقرآن،الطاهر بن عاشور في: (التحرير والتنوير) جعل إصلاح الاعتقاد أول مقصد من المقاصد الأصيلة، ومحمد الغزالي في: (المحاور الخمسة للقرآن) لخصها في: الله الواحد،وكونه الدال عليه، والقصص القرآني،والبعث والجزاء،والتشريع. والقرضاوي في: (كيف نتعامل مع القرآن) لخصها في سبع وجعل أولها: تصحيح العقائد في التصورات للألوهية والرسالة والجزاء،إسماعيل الفاروقي أول من طرق الرؤية التوحيدية بوصفها قيمة حاكمة لمجالات الحياة في كتابه: (التوحيد ومضامينه في الفكر والحياة) وعبّر عنها بأنها جوهر الحضارة الإسلامية،وجابر العلواني حدد المقاصد العليا للقرآن في ثلاثة مفاهيم كبرى في كتابه: (مقاصد الشريعة) وهي: التوحيد، والتزكية،والعمران. 

فالتوحيد إذاً هو المقصد الأول من المقاصد القرآنية العليا الحاكمة وهو روح الدين ولبابه وما : كان للتوحيد هذه المكانة، ولا حظي بكل ذلك الاهتمام إلا، لأن كل ما عداه متوقف عليه لا يتحقق ولا يستقيم إلا به: فعلى سلامة التوحيد تتوقف أركان الإيمان كلها، وعلى طهارته من سائر أنواع الشرك تتوقف دعائم الإحسان جميعها، ولا تقوم الرؤية الكلية الهادية إلا عليه، إنه وسيلة الإشعاع والإنارة لكل ما سواه، فلا يستقيم التصور الإنساني لمن خدش الشرك عقيدة التوحيد فيه. 

وسورة الفلق تضمنت الاستعاذة من أمور أربعة أحدها: شر المخلوقات التي لها شر عموما الثاني: شر الغاسق إذا وقب الثالث: شر النفاثات في العقد الرابع: شر الحاسد إذا حسد.
وتأتي سورة الإخلاص لتأسيس أن الله تعالى لا ثاني له ولا ثالث، لا صاحب له ولا ولد، والصفات التي أسندها لنفسه تجعل ما سواه صفراً فالكل محتاج إليه وهو الغني، الكل عاجز لا يملك لنفسه ضرا ولا نفع وهو القوي.

وتؤسس السورة أن الله ليس كمثله شئ وليس أحد مساواً له لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله ويستحل أن يتخذ صاحبة ولا ولد لأنه الصمد الذي يحتاجه ويقصده كل المخلوقات لكونه يملك كل شئ وغيره لا يملك شئ،فالصمد السيد الذي ليس فوقه أحد الذي يصمد إليه الناس في حوائجهم وأمورهم واشتقاقه يدل على هذا، فإنَّه من الجمع والقصد، فهو الذي اجتمع القصد نحوه، واجتمعت فيه صفات السؤدد. 

وسورة الإخلاص  لها أهمية خاصة في الهدي النبوي فهي تعدل ثلث القرآن كما جاء عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة؟» فشق ذلك عليهم وقالوا: أينا يطيق ذلك يا رسول الله؟ فقال: «الله الواحد الصمد ثلث القرآن» صحيح البخاري (6/ 189) 

وسورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن لأنها أخلصت للخبر عن الرب تعالى وصفاته دون خلقه وأحكامه وثوابه وعقابه. 

وعن أبي سعيد الخدري، أن رجلا سمع رجلا يقرأ: قل هو الله أحد يرددها، فلما أصبح جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، وكأن الرجل يتقالها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن. صحيح البخاري (6/ 189)

وهي رقية فعن أبي سعيد الخدري، أخبرني أخي قتادة بن النعمان: أن رجلا قام في زمن النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ من السحر: قل هو الله أحد لا يزيد عليها، فلما أصبحنا أتى الرجل النبي صلى الله عليه وسلم نحوه. صحيح البخاري (6/ 189)

وعن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه، ثم نفث فيهما فقرأ فيهما: قل هو الله أحد وقل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس، ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده يفعل ذلك ثلاث مرات. صحيح البخاري (6/ 190)

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يجعل لها عناية خاصة كما جاء عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في ركعتي الفجر: قل يا أيها الكافرون، وقل هو الله أحد. صحيح مسلم (1/ 502)
وقد بشر النبي الرجل الذي كان يحب سورة الإخلاص وقال أحبها لأنها صفة الرحمن عز وجل فقال حبك إياها أدخلك الجنة وفي لفظ آخر أخبروه أن الله يحبه فدل على أن من أحب صفات الله أحبه الله وأدخله الجنة .

ونختم هذه الجولة  التدبرية مع سور الإخلاص بسؤال مهم كيف نطبقها في حياتنا؟

تحرير القلوب من التعلق بغير الله تعالى فلا خوف إلا منه ولا رجاء إلا فيه ولا سؤال إلا له ولا توكل إلا عليه فهو وحده القادر على قضاء حوائجنا والكاشف لكروبنا.
استحضار عظمته سبحانه وكماله المطلق عن الشريك والولد وتفرده بالألوهية.
الحرص على قراءة السورة  و حبها والتعلق بها فهي تعدل ثلث القرآن واستشعارها في قلوبنا وتدبرها بعقولنا حتى تصبح فكراً وسلوكاً في حياتنا.
استشعار الإخلاص لله وحده في كل حركة وسكنة والتوجه إليه وحده بالعبادة والتعظيم والبعد عن كل صور الرياء والعجب.
تفعيل السورة  في حياتنا بتحري  الهدي النبوي في التعامل معها سواء كأذكار أو رقية أو صلاة بها.
تفعيلها في حياتنا الإيمانية والتربوية والدعوية فهي الجامعة لأعظم مقصد وهو التوحيد.


 الدكتور:عماد عبدالله
 عضو بشبكة البحث المقاصدية

Start a Conversation:

Your email address will not be published. Required fields are marked *