د.عبدالله القيسي
باحث في الفكر والفلسفة الإسلامية و مدير مركز تجديد للدراسات القرآنية في اسطنبول
مباحث “مقاصد الشريعة الإسلامية” من المحاور المركزية في الفكر الأصولي المعاصر، لما لها من قدرة استيعابية عالية لأحكام الشريعة في شتى مجالاتها، ولكونها الإطار الذي يكشف عن الغاية الكلية للتشريع.

فالمقاصد تعبّر عن الحكمة الكامنة في التشريع، وعن الأهداف العليا التي جاءت النصوص والشرائع لخدمتها. ومن خلال إدراك المقاصد تتشكل رؤية شاملة ومنهجية لفهم تعاليم الإسلام، بما يسمح بإدراك العلاقة بين الكليّات والجزئيات، وبين الوسائل والغايات.
والمتابع للخطاب الشائع في هذا المجال يجد أنه يتعامل مع “مقاصد الشريعة” و”مقاصد الدين” باعتبارهما مفهومًا واحدًا، دون تمييز واضح بينهما، مع أن بينهما فروقًا من حيث الماهية والمنهج. فالدين أوسع نطاقًا، ومن هنا تنبع أهمية التمييز بين “مقاصد الدين” و”مقاصد الشريعة”، بوصفهما مستويين متكاملين لفهم الغاية من الرسالة الإلهية.
الفرق بين مقاصد الدين ومقاصد الشريعة:
تفترق مقاصد الدين عن مقاصد الشريعة في ناحتين رئيسيتين:
الناحية الأولى: الشمول والجزئية
الشريعة ليست مرادفة للدين، وإنما هي جزء منه. فـ”الدين” أوسع وأشمل، فهو يتضمن العقيدة، والشعائر التعبدية، والقيم الأخلاقية، إلى جانب الأحكام التشريعية والتنظيمية. أما “الشريعة”، فهي ذلك الجزء من الدين الذي يختص بتنظيم شؤون الناس في الحياة العامة، من معاملات، وأحوال شخصية، وعقوبات، وعلاقات اجتماعية وسياسية واقتصادية.
وبناءً على ذلك، فإن “مقاصد الدين” أشمل وأعمّ، إذ تشمل الغايات الكبرى التي من أجلها بُعث الرسل وأنزلت الكتب: كتحقيق التوحيد، وترسيخ العدل، وبناء الإنسان روحياً وأخلاقياً، وإرساء قيم الرحمة، والحرية، وغيرها من القيم العليا التي تعبد الإنسان لربه، وتحرره من عبودية غيره.
بينما “مقاصد الشريعة” أضيق نطاقاً، وتركز على الغايات التي من أجلها شُرعت الأحكام التفصيلية التي تنظم حياة الناس، مثل تحقيق العدل، حفظ الحقوق، تقويم السلوك، وإقامة مصالح العباد، ودفع المفاسد، وكل ذلك في إطار الواقع الاجتماعي والمدني الذي يتحرك فيه الإنسان.
وعليه، فإن غياب وعي المسلم بمقاصد الدين، والاكتفاء بمقاصد الشريعة، قد يجعله يمارس الأحكام بلا روح، أو يتعامل مع التدين على نحو آليّ شكلي، بينما الحضور الدائم لمقاصد الدين في الوجدان هو ما يمنح الفقه روحه، والتدين معناه، والسلوك اتزانه.
الناحية الثانية: اختلاف المدخل في الدراسة
التمييز بين مقاصد الدين ومقاصد الشريعة يشمل مضمون كل منهما، كما يشمل أيضًا المنهج المعرفي ومدخل الاستنباط.
فـ”مقاصد الدين” تُستخرج ابتداءً من النصوص القرآنية والنبوية الكلية التي صرّحت بأهداف الرسالات والكتب والنبوة. وهي آيات تحمل في طيّاتها العلل والمقاصد الكبرى من بعثة الرسل، وإنزال القرآن، وهداية الناس، وتُبرز الغايات الكبرى للدين: كالرحمة، والعدل، والهداية، والتزكية.
أما “مقاصد الشريعة”، فإن مدخلها هو الاستقراء التفصيلي لأحكام الشريعة، وبالخصوص الأحكام القطعية المتفق عليها، في مختلف مجالات المعاملات، والعبادات، والجنايات، وغيرها. ومن خلال هذا الاستقراء يُصار إلى بناء صورة كلية جامعة حول الغايات التي تنتظم تلك الأحكام، وتشكّل بنيتها القيمية.
وبالتالي فإن مقاصد الدين تُقرأ من أعلى: من النصوص الكلية، إلى الفروع. ومقاصد الشريعة تُقرأ من أسفل: من استقراء الفروع إلى بناء كليات. وهذا الفارق مهم، لأن إدراكه يُساعد على عدم الخلط بين المجالين، وعلى تفعيل مقاصد الدين كموجه أعلى لمقاصد الشريعة، كي تظل الأخيرة خادمة للغايات الكبرى لا منغلقة على ذاتها أو منحرفة عنها.
مقاصد الدين كما بينها القرآن الكريم:
مقصد التوحيد:
في مقدمة هذه المقاصد يأتي التوحيد، بوصفه الأساس الذي يقوم عليه البناء كله. فالتوحيد مشروع تحريري شامل، يهدف إلى تحرير الإنسان من كل أشكال العبودية لغير الله. إنه تحرير من الخوف، ومن التبعية، ومن الخضوع للقوى البشرية أو المادية. فحين يتجه الإنسان إلى الله وحده، يتحرر ضميره، ويستقل فكره، ويصبح قادرًا على اتخاذ قراراته بحرية ومسؤولية. ومن هنا، فإن التوحيد هو الأساس الذي تُبنى عليه الكرامة الإنسانية، وهو المنطلق لكل إصلاح فردي أو اجتماعي.
مقصد القسط:
ويأتي بعد ذلك مقصد القسط، الذي يُعد الغاية المركزية لإرسال الرسل وإنزال الكتب. فالدين جاء ليقيم مجتمعًا عادلاً، يُعطى فيه كل ذي حق حقه. والقسط هنا هو عدالة دقيقة تراعي الفوارق والاحتياجات، وتحقق التوازن في توزيع الحقوق والواجبات. إنه العدالة التي تمنع الظلم، وتكبح الجور، وتؤسس لنظام اجتماعي متوازن.
مقصد الرحمة:
لكن هذه العدالة لا تكتمل دون الرحمة، التي تمثل البعد الإنساني العميق في الدين. فالرحمة مبدأ عملي ينعكس في التشريعات والسلوكيات. وهي التي تمنع العدالة من التحول إلى قسوة، وتضفي على القوانين روحًا من الرفق والإنصاف. ومن هنا، فإن الرحمة والقسط يشكلان معًا جناحين يحققان التوازن في الحياة الإنسانية: عدالة تحفظ الحقوق، ورحمة تراعي الإنسان.
مقصد التزكية:
وفي سياق بناء الإنسان، يبرز مقصد التزكية بوصفه غاية مركزية من غايات الدين. فالتزكية تعني تطهير النفس من الرذائل، وتنميتها بالفضائل. وهي عملية داخلية عميقة تهدف إلى إصلاح القلب والضمير، بحيث يصبح الإنسان قادرًا على التمييز بين الخير والشر، والسير في طريق الاستقامة. ومن دون التزكية، قد تتحول المعرفة إلى أداة للهيمنة، والعبادة إلى مظهر خالٍ من المعنى، والحكم إلى ظلم مقنّع.
مقصد سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة:
ومن هنا، يتضح أن الدين لا يسعى إلى إثقال كاهل الإنسان، بل إلى إسعاده. فالسعادة في المنظور القرآني هي حالة من الطمأنينة والاتزان، تنبع من انسجام الإنسان مع نفسه، ومع خالقه، ومع الكون من حوله. فالدين يرشد الإنسان إلى طريق يحقق له الخير في دنياه وأخراه، ويمنحه المعنى الذي يقيه الضياع.
مقصد العبودية لله:
وترتبط هذه السعادة بمقصد العبودية، التي تمثل الغاية الوجودية للإنسان. فالعبودية لله هي اختيار واعٍ يعبّر عن علاقة حب وثقة بين الإنسان وربه. وهي تشمل كل مجالات الحياة، فلا تقتصر على الشعائر، وإنما تمتد إلى العمل والعلم والسلوك. ومن خلال هذه العبودية، يجد الإنسان معناه، ويحدد اتجاهه، ويعيش حياة متوازنة.
مقصد الابتلاء:
وفي إطار فهم طبيعة الحياة، يبرز مقصد الابتلاء، الذي يكشف أن الحياة ليست عبثًا، وإنما هي ميدان اختبار. فالإنسان يُمتحن في اختياراته وأفعاله، ليُظهر ما في داخله من خير أو شر. وهذا الابتلاء فرصة للنمو والتكامل، وصقل الشخصية، وتعميق الإيمان. ومن خلاله، يتحمل الإنسان مسؤوليته، ويصبح فاعلًا في حياته.
مقصد عمارة الأرض:
ومن نتائج هذا الوعي، يتجه الإنسان إلى تعمير الأرض، وهو مقصد يعكس دوره الحضاري. فالإنسان خُلق ليكون فاعلًا في بناء الحضارة، وتطوير الحياة، وتحقيق الخير للناس. وهذا التعمير يرتكز على البعد الأخلاقي، حيث تُبنى الحضارة على قيم العدل والرحمة.
مقصد حرية الاختيار:
وأخيرًا، يأتي مقصد حرية الاختيار، الذي يمثل أساس التكليف والمسؤولية. فالدين لا يفرض الإيمان بالقوة، وإنما يدعو إليه بالحكمة، ويترك للإنسان حرية الاختيار. وهذه الحرية هي التي تمنح الإنسان كرامته، وتجعل أفعاله ذات قيمة، لأنه يختارها بإرادته. لكنها في الوقت نفسه مسؤولية عظيمة، إذ سيُحاسب على اختياراته.
وهكذا، يتحقق الهدف الأسمى للدين: بناء إنسان حرّ، عادل، رحيم، واعٍ، يسهم في إقامة الخير في الأرض، ويسير نحو كماله الإنساني في ضوء الهداية الإلهية.

