الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد،وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين،وبعد..
حين نتدبّر آيات القرآن، ندرك أنها ليست مجرد حروف تُتلى، بل رسائل حيّة تفيض بالرحمة والرجاء. ومن أبهى هذه الرسائل ما نقرأه في سورة فاطر، حيث لا يُقصى الضعيف ولا يُطرد المتعثّر، بل يُحتضنون بنداء إلهي رقيق يقول لهم: “لا تزالوا لي”.
🌖 في رحاب سورة فاطر
في جلسة تدبر هادئة، قلتُ لصاحبي: “يا صديقي، انظر إلى هذا النور في سورة فاطر، حيث يقول الله تعالى:
﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر: ٣٢].”
قال صاحبي متأملًا: “تأمل كلمة ﴿مِنْ عِبَادِنَا﴾… يا لها من لمسة رحيمة، تحتضن حتى البعيد، وتبقي الباب مفتوحًا لمن أبطأ.”قلتُ له: “والأعجب أن الله بدأ بالظالم لنفسه قبل المقتصد والسابق!”

سألني بدهشة: “وكيف ذلك؟ أليس الأجدر أن يُقصى أو يُترك آخر القائمة؟”
فأجبته: “كلا يا صديقي… بل بدأ به ليوقظه. كأن الله يقول له:
يا من أثقلتْك الذنوب… لا تزال لي.
يا من حسبت أن الباب أُغلق… الباب ما زال مشرعًا.
يا من تأخرت خطواتك… ما دمت تتوجه إليّ فأنت من ورثتي.”
يا من تأخرت خطواتك… ما دمت تتوجه إليّ فأنت من ورثتي.”
تأثر صاحبي واغرورقت عيناه بالدموع قائلًا: “إذن هو فضل عظيم حقًا! ما أحنّ هذا الرب على عباده… يبدأ بالضعيف ليأخذ بيده، لا ليدفعه بعيدًا. يبدأ بالمتعثّر ليقيمه، لا ليتركه يسقط. يا لها من رحمةٍ تحوّل العثرات إلى دعوة، والذنوب إلى بداية طريق جديد.”
مسحتُ على كتفه برفق وقلت: “نعم، هو نداء يهمس بحنان: انهض… فما زلت عبدي، وما زلت أهلًا لأن تُكتب في ساحة النور. انهض… فما دمت تتجه إليّ، فأنت من السابقين بالخيرات، ولو بخطوة صغيرة.”
هنالك فقط يصبح القرآن حياة نابضة، لا ألفاظًا جامدة تتلى.
🕯️ ومضات من الواقع: رحلة مع أنوار القرآن
كم من قلوب في زماننا تحتاج أن تسمع هذا النداء. إن هذه اللحظات التي قد يراها الناس عابرة، هي عند الله عظيمة لأنها إشارات صدق:
الشاب المثقل: في غرفته وحيدًا، يفتح المصحف بعد ذنب، فتشرق نافذة نور تخبره: “ما زلت عبدي”.
الفتاة العائدة: تضع زينة الدنيا جانبًا لتردد سورة قصيرة في صلاتها، فتشعر بأن الآيات صنعت في روحها بداية جديدة.
الأم المربية: تزرع بذرة النور في قلب طفلها وهي تقرأ له “سورة الإخلاص” قبل النوم.
الطفلة والقرآن: تجلس بجوار أبيها تتعلم ترتيل آية، فينعكس الميراث العظيم في ابتسامتها البريئة.
العامل المنهك: يعود مهدود القوى، لكنه يقرأ صفحة واحدة تصعد عند الله أثقل من الجبال لصدقها.
الموظف المهموم: يختلس لحظة وسط الأوراق ليسمع تلاوة أو يقرأ آية، فتصبح استراحة لروحه.
الطالب المُتعب: يغلق كتب الدراسة ليفتح كتاب الله، فتنزل عليه سكينة لا تمنحها الشهادات
📖 من الترتيل إلى التفعيل
يا صديقي، إن وراثة الكتاب لا تكون بالترتيل وحده، بل بالتفعيل أيضًا:
الترتيل: هو جمال الصوت وحسن التلاوة.
التفعيل: هو أن نجعل القرآن حيًّا في واقعنا؛ نُقيم به الصلاة، نُربي به أبناءنا، نُصلح به أخلاقنا، ونستضيء به في قراراتنا.
من جمع بين الترتيل والتفعيل.. كان من ورثة النور حقًا.
دعاء
اللهم اجعلنا من ورثة كتابك الذين اصطفيت من عبادك، ولا تجعلنا ممن ورثوه فضيّعوه. اللهم إن قصّرنا فاغفر لنا، وإن أبطأنا فألحقنا بالسابقين، وإن أثقلتنا الذنوب فاحملها عنا برحمتك. اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب همومنا.
“القرآن لا يطلب منك الكمال… إنما يطلب منك صدق العودة، فحين تقترب خطوة يفتح الله لك ألف باب من النور.”
د/ عصام الجبوري
عضو الشبكة المقاصدية

