الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد،وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين،وبعد..
فهذه الجولة الثانية نواصل فيها رحلتنا التدبرية مع القرآن الكريم نعيش فيها مع سورة «الفلق»،يقول الله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (2) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (3) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (4) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق: 1 – 5]
وتدور السورة الكريمة حول قضية الالتجاء والاحتماء واللياذ بجناب الله والدخول في كنفه تعالى من كل ذي شر ،والإنسان بحاجة ماسة للدخول في عناية الله خاصة في زمن الفتن والشرور وتكالب الأعداء من الجن والإنس فأهل الشرور يريدون أن يبعده عن صراط ربه المستقيم وينحرفوا به عن غاية وجوده ورسالته وتحقيق العمران والاسنخلاف.

والمتدبر الرابط بين سورة الفلق والإخلاص يجد أن سورة الإخلاص تؤكد أن الله تعالى هو الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لا يحتمى إلا به ولا يتوكل إلا عليه فهو القادر على حفظ عبده وهو القاهر لكل عدو يتعرض له ويتربص به،والناظر للعلاقة بين سورة الفلق والناس أن سورة الناس شرع فيها الاستعاذة الداخلية من وساوس النفس والشياطين فهي تحفظ الإيمان والتوحيد من الشكوك والشبهات،والفلق إستعاذة خارجية تحفظ العبد من الشرور التي تصيب البدن والحس.
والسورة ذكرت أنواع من الشرور فذكرت السحر وهو من أعظم الكبائر والساحرات اللاتي يعقدن الخيوط وينفثن على كل عقدة ليوقعوا الضرر بالعبد،والحسد أول معصية عصى الله بها في الأرض وهو تمني زوال نعمة الله على أخيه ومجيئها إليهه،والليل وهو الذي يتحرك فيه شياطين الأنس والجان حيث الشرور والمجون والليالي الحمراء والفساد والانحراف ووقوع الموبقات،وسائر المخلوقات المؤذية وكل أنواع البلاء الظاهر والباطن.
ومفهوم أعوذ هو التجئ واعتصم وأحتمي واستجير فلفظ عاذ وما تصرف منها يدل على التحرز والتحصن والنجاة وحقيقة معناها الهروب من شيء تخافه إلى من يعصمك منه.
والمستعاذ به هو الله وحده رب الفلق ورب الناس ومالكهم الذي لا ينبغي الاستعاذة إلا به ولا يستعاذ بأحد من خلقه بل هو الذي يعيذ المستعيذين ويعصمهم ويمنعهم من شر ما استعاذوا من شره وقد أخبر الله تعالى في كتابه عمن استعاذ بخلقه أن استعاذته زادته طغيانا ورهقا فقال حكاية عن مؤمني الجن: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾ جاء في التفسير أنه كان الرجل من العرب في الجاهلية إذا سافر فأمسى في أرض قفر قال أعوذ بسيد هذا الوادي من شر سفهاء قومه فيبيت في أمن وجوار منهم حتى يصبح أي فزاد الإنس الجن باستعاذتهم بسادتهم رهقا أي طغيانا وإثما وشرا.
وأنواع الشرور المستعاذ منها: لا يخلو من قسمين: إما ذنوب وقعت من العبد يعاقب عليها فيكون وقوع ذلك بفعله وقصده وسعيه ويكون هذا الشر هو الذنوب وموجباتها وهو أعظم الشرين وأدومهما وأشدهما اتصالا بصاحبه وإما: شر واقع به من غيره وذلك الغير إما مكلف أو غير مكلف والمكلف إما نظيره وهو الإنسان أو ليس نظيره وهو الجني وغير المكلف مثل الهوام وذوات الحمى وغيرها فتضمنت هاتان السورتان الاستعاذة من هذه الشرور كلها بأوجز لفظ وأجمعه وأدله على المراد وأعمه استعاذة بحيث لم يبق شر من الشرور إلا دخل تحت الشر المستعاذ منه.
وسورة الفلق تضمنت الاستعاذة من أمور أربعة أحدها: شر المخلوقات التي لها شر عموما الثاني: شر الغاسق إذا وقب الثالث: شر النفاثات في العقد الرابع: شر الحاسد إذا حسد.
والشر يقال على شيئين: على الألم وعلى ما يفضي إليه وليس له مسمى سوى ذلك فالشرور هي الآلام وأسبابها فالمعاصي والكفر والشرك وأنواع الظلم هي شرور وإن كان لصاحبها فيا نوع غرض ولذة لكنها شرور لأنها أسباب الآلام ومفضية إليها كإفضاء سائر الأسباب إلى مسبباتها.
ولما كان الشر له سبب هو مصدره وله مورد ومنتهى وكان السبب إما من ذات العبد وإما من خارجه ومورده ومنتهاه إما نفسه وإما غيره كان هنا أربعة أمور شر مصدره من نفسه ويعود على نفسه تارة وعلى غيره أخرى وشر مصدره من غيره وهو السبب فيه ويعود على نفسه تارة وعلى غيره أخرى جمع النبي صلى الله عليه وسلم هذه المقامات الأربعة في الدعاء الذي علمه الصديق أن يقوله إذا أصبح وإذا أمسى وإذا أخذ مضجعه “اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة رب كل شيء ومليكه أشهد أن لا إله إلا أنت أعوذ بك من شر نفسي وشر الشيطان وشركه وأن أقترف على نفسي سوءا أو أجره إلى مسلم” فذكر مصدري الشر وهما: النفس والشيطان وذكر مورده ونهايتيه وهما: عوده على النفس أو على أخيه المسلم فجمع الحديث مصادر الشر وموارده في أوجز لفظه واختصره وأجمعه وبينه.
والاستعاذة لا يستغنى عنها أحد فالكل يحتاج إليها لكون الأرض لا تخلو من الشرور لذلك فهي منهج قرآني حدد لنا فيه معالمها والتي هي كل الشرور الظاهرة والباطنة ،وحدد لنا أن الذي يحمينا من هذه الشرور هو رب الفلق لا غيره فأغلق عند ذلك باب العرافين والدجالين والمشعوذين ليصرف الجميع إلى باب الله الكريم، وهذا المنهج القرآني طبقه وحققه النبي صلى الله عليه وسلم وأرشدنا إليه،فعن عقبة بن عامر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألم تر آيات أنزلت الليلة لم ير مثلهن قط، قل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس» صحيح مسلم (1/ 558)
بل إنه أمر به صلى الله عليه وسلم وحث عليه فعن عقبة بن عامر، قال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقرأ بالمعوذتين في دبر كل صلاة. سنن الترمذي ت بشار (5/ 21)
وعن معاذ بن عبد الله، عن أبيه قال: أصابنا طش وظلمة، فانتظرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي بنا، ثم ذكر كلاما معناه، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي بنا، فقال: «قل» فقلت: ما أقول؟، قال: «قل هو الله أحد، والمعوذتين حين تمسي، وحين تصبح، ثلاثا يكفيك كل شيء» سنن النسائي (8/ 250)
وعن أبي سعيد قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوذ من الجان وعين الإنسان حتى نزلت المعوذتان فلما نزلتا أخذ بهما وترك ما سواهما» سنن الترمذي (4/ 395)
وعن عائشة، رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أوى إلى فراشه، نفث في كفيه بقل هو الله أحد وبالمعوذتين جميعا، ثم يمسح بهما وجهه، وما بلغت يداه من جسده» قالت عائشة: «فلما اشتكى كان يأمرني أن أفعل ذلك به» قال يونس: كنت أرى ابن شهاب يصنع ذلك إذا أتى إلى فراشه صحيح البخاري (7/ 133)
وعن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث، فلما اشتد وجعه كنت أنا أقرأ عليه وأمسح عليه بيده رجاء بركتها. موطأ مالك (2/ 120)
والاستعاذة لها أركان حتى تحقق هدفها ومن أهم أركانها الحضور القلبي مع اللسان بأن يقف العبد ذليلاً مظهراً فقره واضطراره بين يدي الله تعالى موقناً أن الله وحده هو الذي يملك النفع والضر والحفظ فهو فالق الصبح وفالق النوى والأرحام مالك الملك ذي الجلال والإكرام فهنا يحقق العبد التوحيد والذي هو المقصد الأول من المقاصد القرآنية العليا الحاكمة و يحقق التزكية وبهما يتحقق اليقين والثقة والأمل والسكينة والطمئنينة والأمن والحياة الطيبة،وبتحقق هذه المعاني يصنع الإنسان المستخلف والأمة الشاهدة.

