المنهج القرآني بين مركزية القيم وحدود الرموز البشرية

بسم الله الرحمن الرحيم

يقوم المنهج القرآني في بناء الهداية الدينية على تحرير الحق من الارتهان للأشخاص، ونزع القداسة عن الأسماء – مهما علت مكانتها بعد الأنبياء – وربط الاستقامة والنجاة بالقيم والمبادئ والعمل، لا بالانتماء ولا بالرمزية البشرية. فالقرآن لا يصوغ “أيقونات دينية” يُدار الحق حولها، ولا يقدّم أشخاصًا بوصفهم التمثيل الكامل للدين، وإنما يؤسس ميزانًا واضحًا قوامه: الاستحقاق بالوصف لا بالاسم، وبالعمل لا بالانتساب.

أولًا: القرآن ومنهج الثناء بالصفات لا بالأسماء

يتجلّى هذا المنهج بوضوح في أسلوب القرآن في الثناء والمدح؛ إذ يركّز على الصفات والمواقف دون تعيين أصحابها. فالصحابة – مع جلالة قدرهم وسبقهم – لم يُذكر اسم أحدٍ منهم في سياق المدح القرآني المباشر، وإنما جاء الثناء على إيمانهم وأعمالهم ومواقفهم، كما في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾  {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ } [التوبة: 100] حيث عُلِّق الرضا على فعلٍ موصوف وموقفٍ جماعي، لا على أسماء بعينها، ليبقى الميزان أخلاقيًا وسلوكيًا، لا شخصيًا ولا تاريخيًا.

ثانيًا: “عباد الرحمن” نموذج مفتوح لا نخبة مغلقة

ويبلغ هذا المنهج ذروته في وصف “عباد الرحمن”، إذ يرسم القرآن نموذجًا إنسانيًا متكاملًا عبر سلسلة من الصفات العملية القابلة للاقتداء، دون ذكر أسماء أو رموز: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا…﴾ فالخطاب هنا مقصود به صناعة نموذج مفتوح، لا نخبة مغلقة، ليظل الباب مشرعًا لكل من تحقّق بهذه الصفات في كل زمان ومكان، بعيدًا عن احتكار الفضل أو اختزاله في أسماء محددة.

ثالثًا: القصص القرآني وتقديم الموقف على الهوية

وفي القصص القرآني يتكرر هذا المعنى بأسلوب لافت؛ إذ يركّز البيان الإلهي على الموقف لا صاحبه، كما في قوله تعالى: {وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ} [غافر: 28]

فلم يُذكر اسمه، وإنما عُرِّف بوصفه الإيماني، وبموقعه الحرج داخل بنية الاستبداد الفرعوني، وبفعله الشجاع في لحظة مفصلية. والاعتبار هنا ليس بالانتماء ولا بالاسم، بل بالجرأة الأخلاقية واتخاذ الموقف الحق في سياق شديد الخطورة. وهو نمط قرآني متكرر يرسّخ أن القيمة تُستمد من السلوك والموقف، لا من التعريفات الشخصية أو الامتيازات التاريخية.

رابعًا: من مركزية الوحي إلى هيمنة الرمز

غير أن هذا الميزان القرآني تعرّض للاهتزاز عبر مسار التاريخ حين ضعفت مركزية القرآن في الوعي والتدبر والتفعيل العملي، فبرزت الحاجة النفسية والاجتماعية إلى بديل بشري يُملأ به فراغ المرجعية. وهنا بدأ التحوّل من الوحي المهيمن إلى الرمز المهيمن، ومن القيمة إلى الشخص.

فنشأت – في بعض المراحل – قراءات دينية توسّعت في ربط النجاة والفضل بأشخاص بعينهم، عبر روايات الفضائل أو صناعة الانتماءات، حتى تحوّل الحب والبغض لأشخاص، أو الدفاع والطعن، إلى معيار للإيمان والنفاق، بدل أن يبقى الميزان هو العمل والقيم التي رسّخها القرآن.

خامسًا: حديث أويس بين المقام الشخصي والأثر المنهجي

وفي هذا السياق أيضا تبرز بعض الروايات الشاذة التي – بغضّ النظر عن الجدل الحديثي حولها – قد تُسهم عمليًا في ترسيخ البحث عن “أشخاص مباركين” بدل ترسيخ القيم التي صنعت فضلهم، ومن ذلك ما حكم عليه البزار في مسنده بالنكارة، ولكن رواه مسلم في صحيحه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: 
إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ عليه الصلاة والسلام يَقُولُ: إِنَّ خَيْرَ التَّابِعِينَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ أُوَيْسٌ، وَلَهُ وَالِدَةٌ، وَكَانَ بِهِ بَيَاضٌ، فَمُرُوهُ فَلْيَسْتَغْفِرْ لَكُمْ. 

سادسًا: التمركز حول الأئمة وتحوّل الاجتهاد إلى هوية

ثم تعمّقت هذه النزعة في القرون اللاحقة، حيث تمركز الوعي الديني حول شخصيات علمية كبرى كالأئمة الفقهاء والمحدثين. ولم يقتصر الأمر – في بعض البيئات – على الاستفادة من علومهم، بل تجاوزه إلى تحميلهم رمزية تتجاوز حدود الاجتهاد البشري، حتى صار الانتماء إليهم أو الدفاع عنهم جزءًا من هوية دينية، لا مجرد اختلاف علمي.
وفي عصرنا الراهن تتكرر الإشكالية بصور جديدة، حيث يُعاد تقديم شخصيات فكرية أو عقدية بوصفها المرجعية الأتم لفهم الإسلام، وكأن الدين لا يُدرك إلا من خلالها، مع أن إنتاجها العلمي مرتبط بسياقات تاريخية وبيئات معرفية محددة.

سابعًا: بين التوقير والتقديس

ولا يعني هذا الطرح إنكار منزلة العلماء، ولا إسقاط قيمة التخصص، ولا الدعوة إلى الفوضى المعرفية. فالقرآن نفسه قرر مبدأ التمايز العلمي: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾غير أن السؤال شيء، وتحويل العلماء إلى مرجعية معصومة أو هوية مغلقة شيء آخر. فالفرق جوهري بين التوقير المشروع والتقديس المنتج لمنطق النجاة بالانتماء لا بالعمل.

خاتمة

إن إعادة الاعتبار لمركزية القرآن لا تعني القطيعة مع التراث، ولا التنكّر لجهود الأئمة الكبار، بل تعني إعادة ترتيب مصادر التلقي، وردّ الاجتهادات البشرية – مهما عظمت – إلى الميزان الأعلى: كتاب الله تعالى، بوصفه المرجعية الحاكمة، والمعيار الفاصل، والنص المتجاوز للزمان والمكان.

وحين تُستعاد هذه البوصلة، يتحرّر العقل المسلم من الارتهان للأشخاص دون أن يفقد قدرته على الاستفادة منهم، ويعود الدين إلى صفائه الأول: قيم تُتّبع، ومبادئ تُمتثل، وهداية تُقاس بالعمل لا بالأسماء.


 الدكتور:عمار الحريري
 عضو بشبكة البحث المقاصدية

Start a Conversation:

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *