بقلم: أ. هبة عبد الجواد*

في زمن تتسارع فيه الأحداث، وتتضارب فيه المعايير والقيم، لا يتوانى الإنسان في هذا العصر عن السعي لتحقيق النجاح والوصول إلى معدلات إنجاز ليكون مقبولًا في مجتمعه وعمله متأثرًا بالثقافة التنافسية التي حولته إلى آلة عليها أن تحقق معدلات إنجاز مادية على حساب نقاء روحه وسلوكه وأخلاقه.  فهي معايير مبتورة، منفصلة عن الغاية من وجوده على هذه الأرض، بل تجعله يعيش في عالم يخيم عليه مشاعر سلبية نتيجة للصراع المستمر لكسب المزيد من المال والجاه والسلطان والشهرة، ولا تمنحه السكينة والسعادة الحقيقية.
أصبحت معاني النجاح مرتبطة بتصورات غير أصيلة غير سليمة، كالتصورات المتأثرة بمرحلة ما بعد الاحتلال أو نظم مادية غير إنسانية، ومعايير تنمية غير عادلة في مقابل الكرامة والعدل واستثمار موارد الأرض بطريقة عادلة، والاهتمام بمصلحة البشرية جمعاء.
إن العالم المتسارع من حولنا يدفع المرء إلى التنافس والصراع واللحاق بقطار لا يتوقف، وهذا ليس فلاحًا ولا فوزًا ولكنها حرب لا تفيد الإنسان في حياته ولا آخرته، والعودة إلى المعنى القرآني للفلاح والنظر إليه كمعيار يقيس به المرء كيف يقضي عمره على هذه الأرض، لهو معيار رباني يتسق مع الفطرة، ويمنح الإنسان السعادة والفوز في الدنيا والآخرة، وهو عنصر رئيس في تصور الواقع والمعيار الذي نقيس به الفلاح والفشل، والإيجابي في هذا الواقع والسلبي.
(الفلاح) معنى جامع وشامل لمفهوم الإنجاز الحقيقي للفرد وللأمة، وسعادة مقرونة بنظرة صحيحة للعالم، فالفلاح هو الحالة التي يصل إليها الإنسان مبتغيًا منها رضا الله ومحققًا الغاية من وجوده على هذه الأرض، فلقد خلقه الله لإعمارها وإصلاحها لا لتخريبها وإفسادها، وفيه صلاح الحال والنجاة من مفاسد الدنيا، والآخرة. فلاح في الصحة والمال والعلم والعلاقات، فهو المعيار القرآني للنجاح المقرون برضا الله، فأي فوز يبتغيه إنسان بالحصول على مبتغاه في الدنيا من شهرة تفسد حياته الاجتماعية، أو علم غير نزيه يفسد به عقول الناس، أو علاقات موتورة مؤذية ظاهرها غير باطنها.
إن من الأخطاء المنهجية الشائعة في عالمنا هو التأثر بمعايير فوز ونجاح تبتعد بالإنسان عن فطرته، وتدفعه للغرق في نجاحات وهمية لا تحقق لديه الشعور بالرضا والراحة والسكينة.
والتفكر في شبكة المعاني المتصلة بالفلاح في القرآن الكريم ترسم ملامح ويندرج تجتها معانٍ عدة مثل: عبادة الله، وتكريم الإنسان، وإحياء النفوس، والعدل والقسط وهي مقاصد للفرد وللأمة بينها تقاطعات ومعاني أخرى مركبة يمكن للمتدبر أن يستخلص منها شبكة متكاملة من المقاصد التي تعينه على فهم صحيح للغاية من وجوده على هذه الأرض. هكذا نسعى إلى فهم القرآن الكريم فهمًا صحيحًا غير  مجتزئًا، نبحث فيه ونتدبر معنى الفلاح والفوز، العلم والعمل، سائلين المولى أن يرزقنا فهمًا صحيحًا وعملًا نافعًا متقبلًا.

*مديرة التعليم في معهد المقاصد